الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
584
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ - وَلَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإِبْطَالِكُمُ الْحَقَّ أقول : لم يهتد أحد من الشرّاح إلى الأصل في هذه الخطبة ، وقد عرفت في السادس أنّ الأصل فيها في غارة النّعمان بن بشير على عين التمر ، وأنّ ابن أبي الحديد توهّم أنّ تلك الخطبة كانت في غارة النّعمان ، مع أنّ تلك كانت في مقتل محمّد بن أبي بكر في فتح مصر . روى اليعقوبي في ( تاريخه ) ( 1 ) : أنّ معاوية وجهّ النّعمان بن بشير فأغار على مالك بن كعب الأرحبي ، وكان عامل عليّ عليه السّلام على مسلحة عين التمر ، فندب عليّ عليه السّلام الناس فقال : يا أهل الكوفة انتدبوا إلى أخيكم مالك بن كعب ، فإنّ النّعمان بن بشير قد نزل به في جمع ليس بكثير ، لعلّ اللّه أن يقطع من الظالمين طرفا . فأبطؤوا ولم يخرجوا فصعد المنبر فتكلّم كلاما خفيّا لم يسمع ، فظنّ الناس أنهّ عليه السّلام يدعو اللّه ، ثم رفع صوته فقال : أما بعد ، يا أهل الكوفة ، أكلّما أقبل منسر من مناسر أهل الشام أغلق كلّ امرى ء منكم بابه ، وانجحر في بيته انجحار الضب والضبع في وجاره افّ لكم لقد لقيت منكم برحا ، يوما اناجيكم ويوما أناديكم ، فلا إخوان عند النجاء ولا أحرار عند النداء . ثم دخل بيته فقام عدي بن حاتم وقال للناس : هذا واللّه الخذلان القبيح . وروى الطبري ( 2 ) مسندا عن شيخ من بني فزارة قال : بعث معاوية النّعمان بن بشير في ألفين فأتوا عين التمر - إلى أن قال - فانتهيت إلى عليّ عليه السّلام على المنبر ، وقد سبقني بالتشهد وهو يقول : يا أهل الكوفة ، كلّما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام أظلكم الجحر كلّ امرى ء منكم في بيته وأغلق بابه ، انجحار الضب في جحره والضبع في وجارها ، المغرور من غررتموه
--> ( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 195 . ( 2 ) تاريخ الطبري 5 : 133 .